alilouch 8

الحلقة 8:عليلوش,يوم حملتنا الطائرة إلى معتقل “بوغار” بالجزائر

24 سنة و 9 أشهر و26 يوما، هي المدة التي قضَاها الجندي عْدِّي عْليلوش داخل السجون الجزائرية كأسير حرب. عاد ذات ليلة إلى قريته بعدما تم إطلاق سراحه تحت رعاية الصّليب الأحمر الدولي. وجد زوجته قد تزوجت غيره، وصارت جدّة.

وجد النقود المتداولة في البلد قد تغيرت، وأثمنة المواد قد تضاعفت أربع مرات، والناس غير الناس. أسير عانى الويلات رفقة زملائه دفاعا عن الصّحراء المغربية، وكثير منهم قضى نحبه داخل سجون البوليساريو.. في هذه الزاوية نسرد في حلقات خلال هذا الشهر الفضيل سيرة هذا الرجل، ومعاناته في السجون التي قضى بها ربع قرن.

(8)

انتظرت ذلك اليوم الذي حلمت به كما تنتظر أم أخبار ابن غائب. لما بزغ فجر 18 ماي من سنة 76، لم أنم كطفل ينتظر شمس العيد ليرتدي الملابس الجديدة المطوية قرب وسادته. أردت أن أتأكد من تلك الرؤيا.

لما أشرقت الشمس ساقونا لمزاولة تلك الأشغال التي نزاولها كل يوم. لا شيء تغير، حتى تيقنت أن ما رأيته في منامي قبل عشرين يوما، ماهو سوى متمنيات تجلت لي في صورة ملاك، أو شيطان يحب العزف على ما حُرمت منه؛ الحرية ..

مر الزوال وجاء المساء، ولا شيء ينذر بأننا سنغادر هذا الأسر نحو ديارنا. اليوم الموعود يقترب من نهايته ورأياي ليست سوى أضغاث أحلام. انهمكنا في العمل كما يأمرنا السّجان الجاثم على أرواحنا.. لما بدأت الشمس في الاختفاء سمعنا هدير شاحنتين عسكريتين، ونادى مناد أننا اليوم سنغادر هذا المكان، لكن ليس إلى الديار، بل نحو الجزائر!

أعدت الحوار المفترض الذي دار بيني وبين الملاك الذي زارني. لم يكذب، قال بأنني سأغادر هذا المكان دون أن يُحدد الوجهة! وها أنا أغادره.

قسّمونا ليلتها إلى نِصفين. اعتقدت أن كُل نصف سوف يرحل في شاحنة. لكننا ملأنا إحداهن بالبضائع والمواد الغذائية، بينما نقلت الأخرى نصف عدد الأسرى فقط، فيما بقي النّصف الآخر إلى الثلث الأخير من الليل، إذ عادت إحدى الشاحنتين. كنت ضمن النصف الثاني.

كلما ركبت آلية عسكرية إلا وأتذكر أول مرة ركبت فيه الشاحنة في اتجاه الصحراء. لم أكن وقتها عبوسا كما اليوم، لكن زملائي الذي سبقوني لحمل السلاح كانوا أكثر تشاؤما. أخبروني يومئذ أن أغلبهم قام بتنظيم عشاء وداع لأهل في الدوار، كتَأبينٍ لحيّ لم يمت بعد، لكنه قد يموت بِلغم أو بسبب ما. لذلك ودّع الأقارب وعانقهم واحدا واحدا. قد لا يطول عمره ولا يتمكن من رؤيتهم مرة أخرى، ويرحل عن هذه الدار وفي قلبه اشتهاء عناق. قالوا لي أن الذي يأتي للصحراء في وقت الحرب قد يعود وقد لا يعود، لذلك يودعون أهلهم بالبكاء، ويتمنون ألا يكون هذا “البرمسيون” هو الأخير الذي يعانق فيه الأهل والأقارب.

مع مرور الوقت أصبح ذلك من سُنن العسكر القادمين من التخوم. وكلما عاد جندي من عطلته نحو الثكنة يستقبلونه مقهقهين وهم يمازحونه: هل قرأ الفقهاء بعض الآيات على روحك؟ هل أقمت لنفسك حفلة تأبين قبل الرحيل؟ أستمع إليهم في اهتمام، وكلي يقين أن أقدارنا قد اختارتنا ولا مفر لكنني في هذه المرة لا أركب شاحنة نحو الصحراء، بل مغادرا إياها. والشاحنة التي تقلني ليست تابعة لجيشي، بل هي مِلك الأعداء، ولا أعرف نحو أية وجهة، فأين تذهب بنا هذه الدابة المهترئة، وأي قدر ينتظرنا في ذلك المكان المجهول!

كان الطريق طويلا وكأننا نسير في مسار دائري. سرعان ما أشعر أني أمر من نفس النقطة التي مررت منها قبل قليل. بلغنا موضع توقف الشاحنة الأولى في تمام الواحدة زوالا، رأيت ذلك في ساعة يدوية لأحد الحُرّاس. توقفنا قليلا لتناول وجبة من اللوبيا على الغذاء.

بعد ذلك جاء صحراوي طويل أسود اللون يَسُوق شاحنة ثالثة. أمرونا أن نركب معه ويذهب بنا نحو تيندوف. سار بنا بشاحنته طويلا إلى أن وجدنا في الطريق شاحنة محملة بالذخيرة الحربية. أمرونا أن نقوم بتفريغها في الشاحنة التي كانت تُقِلّنا ونركب تلك الحربية.

في مَدخل تيندوف أوقفنا كومندار جزائري وطلب من السائق أن يعود إلى الرّابُوني ويترك هناك الموريطانيين ويعود فقط بالأسرى المَغَارِبة.

بعد أن تم إنزال الموريتانيين في الرابوني عُدنا عبر نفس الشاحنة إلى مطار صغير بتندوف. وقفت الشاحنة قبالة مدخل الطائرة، ووقف ضابطان في باب الشاحنة يقومان بانزالنا عدّا. بدأ يُعد ويسمح للفرد المحسوب بالخروج من الشاحنة كما يفعل الرّحل مع العنزات المحلوبة. يخرج الأسير فيوجّهه حارس نحو سُلّم الطائرة، يدله بعد ذلك على مقعده ثم يقوم بتصفيده إليه. لما بلغ 42 فردا توقف عن العدّ وطلب من سائق الشاحنة أن يعود بالـ13 المتبقين نحو الرابوني حتى مطلع الأسبوع المقبل.

انطلقت بنا الطائرة الصغيرة تشق عباب السماء نحو وجهة لا يعلمها سواهم. كنّا 45 شخصا باحتساب الحُرّاس.

توقفت بنا قليلا في مطار بشّار، كان المطر ينهمر مدرار، فنزل بعض المسئولين لوقت قصير وعادوا ورفقتهم ثلاث أسرى مصفدين، علمت فيما بعد أنهم مغاربة تم أسرهم قبيل عيد الأضحى الماضي. كان بينهم أسمر من رُحّل محاميد الغزلان، سمعت ضابطا يقول لزميله إن هذا الرجل من الجواسيس الرّحل الذين ينقلون للمغرب كل كبيرة وصغيرة على الحدود، وهاهو قد سقط بين يدينا ليدفع الثمن.

اتجهت الطّائرة نحو مطار البليدة بعد ذلك. لما توقفت، ركبنا شاحنة عسكرية والمَطر المنهمر ما يزال يربط السماء بالأرض بواسطة خيوط رفيعة. كانت الشاحنة التي أقلتنا إلى بوغار باردة جدا، ولم يمنع تزاحمنا من أن تصطكّ أسناننا بقوة، ضحكنا من ذلك جماعة فشعرنا ببعض الدفء.

بلغنا المَوضِع الذي يُرِيدوهُ لنَا مع بزوغ الفجر. نظرتُ إلى السماء فتذكّرتُ أيام قريتي البعيدة بُعَيدَ السّحور. أيها الكبير الذي في السماء وفي كل مكان، لماذا لا يكون كل هذا مجرد كابوس مزعج، أستفيق منه وأجد نفسي في قريتي الهادئة، أجوب الزقاق المتربة حافي القدمين. لا نعل في رجلاي ولا أصفاد تثقل حركة يداي.

وَلَجنا قاعدة عسكرية، توجد في قصر بُوخاري بولاية المدية. يوجد داخل القاعدة معتقل صَغير شُيِّدَ منذ عهد الاستعمار الفرنسي، ولا يبعد المكان عن العاصمة الجزائرية سوى بـ150 كيلومترا. يتحصّن المعتقل وسط ثلاثة تلال صغيرة. وجدنا في مدخله ضابط صف جلس يُدوّن معلوماتنا فردا فردا. أدخلونا بعد ذلك غرفتين، ووجدنا أن 12 أسيرا قد سبقونا إلى هذا المكان. حييناهم كما نحيي سكان المقابر التي تتواجد بجانب الطرقات: السلام عليكم أيها الأموات، أنتم السابقون وهانحن من اللاحقين..

نام بعضنا، وبعضنا هام في التذكرات المؤلمة، وصدمة انكسار أحلام الإفراج على صخرة التنقيل من أسر لآخر.. لم يطرقوا أبواب الغرفتين حتى توقفت العقارب في الساعة العاشرة. وقتها خرجنا لتناول أول وجبة في هذا المعتقل الجزائري؛ قطعة خبر بداخلها قليل من مربى المشمش وكأسا من الحليب المنكّه بالبُن.

بعد أن تناولنا الفُطور في هذا المكان، تم اقتيادنا إلى ساحة تتوسطُ المعتقل كما يقود الرعاة قطيع أغنام لجز صوفها. جاءوا بمجموعة من الحلاقين لتخليصنا من هذا الشعر الكث المقمل. كانوا يقُصون ويتندرون منا، بعد ذلك جمعوا كل ذلك وملابسنا المتسخة لحرقه في مكان بعيد كمواد محظورة، بعد أن استحممنا وارتدينا منامة جديدة سُلمت لنا.

تمنينا أن تُحرق مع تلك الملابس ذكرياتنا الأليمة ويكون ذلك فأل خير لنعود إلى أوطاننا التي حملناها في أفئدتنا معنا أينما تنقلنا. لكن هؤلاء الذين استقدمونا إلى هذا المكان كانت لهم أغراض استغلالنا في ما يخدم أهدافهم وطروحاتهم.

ذات يوم اقترحوا علينا أن نكتب لأهلنا رسائل إخبار، ننقل فيها ما نشعر به، ونخبرهم فيها بأننا بخير وعلى خير، بين يدي “إخواننا”. وأنهم سيتكفلون بإيصالها والتوصل بالأجوبة عن طريق بريد المرادية. تداولنا الأمر فيما بيننا وأخبرنا بعض زملائنا أن نرفض هذا الأمر، لأن ذلك يعني اعترافنا الضمني بالبوليساريو ككيان قائم الذات، فرفَضنا. وبقيت أخبارنا لا يعرفها سوى هؤلاء الذين يتناوبون على حراستنا كل يوم ورؤسائهم في العاصمة.

لم ننل تلك الحرية التي ننشهدها، وإن تحسن حالنا لبضعة أيام مقارنة بحالنا في مكتب عويمير ولد علي بويا. قلّ التعذيب وانعدمت الأشغال غير المجدية التي كنا نزاولها في المأسر الصحراوي. كتحويل الكثبان دون جدوى أو حفر خندق اليوم وردمه غدا. ينادى علينا كل يوم للقيام بأعمال التنظيف وتقشير الخضر وبعض أعمال المطبخ.

أحيانا تصلنا بعض الأخبار عن البلد، سواء مما نسمعه في الزوار أو من بعض الحراس، ومنها أن المملكة السعودية حاولت هذه الأيام التدخل لدى الجزائر لإطلاق سراحنا. قيل لنا أن ولي العهد فهد بن عبد العزيز توسط بين ملكنا وبومديان لرأب الصدع، وأنه تنقل في يوم واحد 6 مرات بين الجزائر والرباط. كان ذلك سيثمر تحريرنا من الأسر حتى قاموا بتوزيع بعض الملابس الجديدة على الأسرى لارتدائها أثناء العودة للوطن. لكن الضغط الليبي والروسي على الرئيس الجزائري جعله يتراجع، فقاموا باسترجاع تلك الملابس التي وزعوها علينا، ونشرت صحف الجزائر في صفحاتها الأولى أن الجزائر لا تبيع مبادئها بالريال السعودي ولا بالدولار الأمريكي. فلماذا تبيعينها أيتها العفيفة الطاهرة بالدينار الليبي والروبل الروسي؟

اضغط هنا رابط الحلقة1

اضغط هنا رابط الحلقة2

اضغط هنا رابط الحلقة3

اضغط هنا رابط الحلقة4

اضغط هنا رابط الحلقة5

اضغط هنا رابط الحلقة6

اضغط هنا رابط الحلقة7

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*