prof khalfaoui

أشبارو التاريخ: الأصول التاريخية والتسمية،التركيبة الاجتماعية والثقافية والدينية وأنماط العيش

         امحمد خلفوي:

  التاريخ كتابة ترافق قارئها عبر محطات الماضي، فتبعث الحياة في الافراد والجماعات وتتحكم فيها جملة من العوامل أهمها:     الظاهرة التاريخية؛ هذه الأخيرة تقوم على ثلاثة دعائم هي: الزمان والانسان والمكان. ولا يمكن تصور فعل تاريخي او ظاهرة تاريخية خارج الدعائم فالزمان قاعدة العملية التاريخية وهو مرتبط بالزمان الإنساني في مكان معين وكل هذه الدعائم تنطبق على موضوع البحثقبيلة اشباروالأصول التاريخية
للساكنة التركيبة الاجتماعية والثقافية والدينية أنماط عيش الساكنة

              إن الباحث الذي يعتزم الانكباب على تاريخ قبيلة رغبة في استجلاء ملامح هامة من جذورها وأنماط عيشها واتجاهاتها الثقافية والدينية والاجتماعية يصطدم بعقبات وعراقيل تتصل بشروط البحث أهمها انعدام أو قلة المصادر الكتابية التي بإمكانها تسهيل مأمورية الباحث لفهم الحاضر البعيد وملابسات الماضي. وهذه الصعوبات تجعل الباحث يرتكز على روايات شفهية توارثتها الأجيال المتعاقبة أبا عن جد.

        ولا يمكن الحديث عن قبيلة أشبارو دون الوقوف على جغرافية المنطقة التي هي عبارة عن واحة محاطة بجبال تعتبر امتدادا للأطلس الصغير نحو الشرق أطلق عليها واحةالرك”. وهي عبارة عن صحراء من الحجارة؛ سطح أو سهل صخري ينتشر فيه الحصى الدائري الدقيق أو الزاوي
الممزوج بالصلصال، يتميز بغطاء نباتي متناثر يتألف غالبا من فصيلة الطلح: أمراد (ACACIA) والنباتات الشوكية التي تتحمل قساوة المناخ الصحراوي الجاف. والرك يعني أيضا الخلاء. وقد أوردت هذه المعلومات لدحض مزاعم كل التدوينات المروجة لتوجهات التمييز والتي تقابل مصطلح الرك بالرق. وللإشارة فالعنصر البشري في إطار التجمعات يستمد الاسم من جغرافية المكان وليس
من الألوان كما يدعي رواد النظرة الانقسامية. وتمتد الواحة على مسافة طويلة على شكل شريط أخضر تتجاوز 60 كلم في قسمين أساسيين وهما الرك العلوي من إيسك أمجيال نتمدى نحو سفوح شرق جبل صاغرو، و الرك السفلي من ايسك المذكور نحو الشرق وصولا إلى منطقة لمعيدر.

          واحة الرك أهم ممر بين تافيلالت ودرعة عبرها تنقلت المجموعات البشرية وانتقلت الأفكار وعبرها وقعت الهجمات العسكرية (إبان الاحتلال الفرنسي للجنوب الشرقي المغربي) أهمها التي قادها الرجل الأحمر الجنرال بورنازيل، وعبرها كذلك مرت القوافل التجارية خلال العصر الوسيط. كون هذه المنطقة منطقة مسلك جعلها تنفتح على جميع أنواع التأثيرات البشرية، مما خلف ساكنة متنوعة المنطلقات ومتعددة المميزات قادرة على ان تشكل فعلا عينة من التنوع والتعدد الملحوظين.

     لعل ما يثير فضول الباحث هو زمن استقرار الساكنة بالمنطقة بالضبط والراجح أن المنطقة تم تعميرها في عصور غابرة مع تراجع الجليد الى الشمال ونزوح القبائل الافريقية في اتجاه الشمال نحو المناطق الدافئة، واتخذت الشريط الممتد شمال افريقيا جنوب الصحراء الذي يزخر حاليا بتواجد هذا الجنس البشري المتميز، والذي تتقاطع بعض عاداته وتراثه من بلد الى آخر.

     وقد أشار إبراهيم حركات في كتابهالمغرب عبر التاريخ ج 1 ” أن هذا العنصر البشري تواجد بالمغرب قبل البربر (الأمازيغ) ولا أحد يعرف تاريخ استقراره بالواحات الصحراوية. ومن قبله أكد بوسكي أن هذا الصنف ترجع أصوله الى السلالات الأولى التي انحدرت من أصول اثيوبية سموا بالجيتوليين getules ، و بعد مجيئ البربر تمزغ لسانهم و منهم من له صلات بالجزيرة العربية و اغلب الظن ان تلك الساكنة ذات جذور افريقية تميزت بلونها البرونزي، و ان التغيرات التي طرأت على لونها دون شك مرتبطة بتعايش هذه الفئة مع قبائل ذات أصول مخالفة.

        ومن خلال استعراض تاريخي بسيط يتبين أن سكان الرك الذين تعددت الفرضيات حول تسميتهم؛ منها القائلة: ايملوان لكونهم من أصول عربية صحراوية(ماء العينين) و التي تعني أمان نوالن بالأمازيغية، وأيضا بمعنى الملونين لتعدد ألوانهم. إلا أن ما جاء به كتاب المسالك و الممالك (ابن حوقلالإدريسي) قطع الشك باليقين : إنهم من قبائل ملوانة، وهي شعب صنهاجة البرانس، واسمها تعريب لكلمة (ايملوان) الأمازيغية، وهم صنهاجة القبلة، وهم اليوم أوزاع كثير مندمجة في قبائل المغرب والجزائر، ومنهم بطن مع أيت سدرات الجبل في اتجاه امسمرير على واد  دادس،وبطن مع أيت مرغاد على ضفاف واد غريس، وبطن بتازارين، وبطن مع أيت يمور بحوز مراكش، ودوار مع أولاد دليم ، ودوار مع بني سفيان باقليم الرباط ( نواحي السهول)، ومنهم بالجزائر بطن مندمج في قبيلة بني مسسيرة، وفوق ترابهم توجد الحمة المسماة (حمام ملوان) الواقعة جنوب مدينة الجزائر.

      و إيملوان القبلة انتظموا حول كتلة بشرية قديمة الاستقرار بالمنطقة هذه الكتلة تشمل (بني بوحيرت. بني مخطار. بن جطويت و ايت داوود) واثارها شاهدة على ذلك ومنها تفرعت قبائل (اشبارو. توغزة. ازقور). وقد تم اندماج هذه التركيبة فيما بينها في إطار من التعايش بعدها عرفت الواحة هجرة ناتجة عن جفاف (سنوات عجاف) غيرت الخريطة الديموغرافية المحلية بتوافد عناصر أخرى طبعا بعد تغير الظروف المناخية لصالح الساكنة.

       يسعى هذا الحديث الى مناقشة بعض جوانب من تاريخ قبيلة أشبارو المنضوية تحت لواء اتحادية ايملوان. إن مصطلح أشبارو أو أشبار

تعني الفارس ( جمع إشبورا أي الفرسان) له مدلول ؛ الرجل الشهم الشجاع المقدام. و أشبارو أيضا ركيزة تنضاف لباب البيت من الداخل لإحكام إقفاله و تمنع كل غريب من التسلل، في كل الأحوال فهو رمز للمقاومة و الصمود. و هناك ما ترددته الالسنة منذ القدم باعتباره يرتبط ببعض الأدوات المستعملة من قبل الفرسان ربما ان هناك شخص يدعى علي قد انفصل عن أبيه و كان حظه ان نالاشبار“(أشبارو) ونال اخوه إبراهيمازقار“(ازقور) و نال الثالثتغاز“(توغزة) و بهذا كان علي اول من أعطى انطلاقة تأسيس الهرم السكاني لقبيلة أشبارو. و بدوره خلف أبناء نذكر منهم : حدو. فاسكي . حمزة وعلي الذي ولد بعد وفاة ابيه و تربى في كنف عمه إبراهيم ليلتحق بعد ذلك بإخوته بأشبارو. بعد ذلك عرفت المنطقة نزوح أيت وخلفن و ايت حمو عبد الله. فايت وخلفن حسب الروايات المحلية هم عرب اتوا من الساقية الحمراء وتغير لسانهم وبدأوا يتكلمون لغة بني جلدتهم، وعلى الأرجح حسب رواية المرحوم علي أوسعيد فأيت وخلفن من قبائل إمغران نواحي سكورة بالقرب من ورزازات وأول من حل منهم بالرك فقيه يسمى الطالب لحسن والذي كان إماما استقر وتزوج بأشبارو. وكذلك الشأن بالنسبة لعناصر أخرى ذات أصول عرقية مختلفة توافدت على المنطقة. كيفما كان الحال فكل هذه الفئات شكلت عنصرا اثنيا متجانسا تعايشت فيما بينها في جو من التنظيم الاجتماعي المحكم المبني على الأعراف والتقاليد التي توارثتها او ابتدعتها حتى ان البعض منهم تمسك بها ونقلها الى خلفه بنوع من القداسة والاحترام.

       ونظرا لامتداد الأراضي كحزام اخضر محاط بالجبال فإن غالبية السكان يتعاطون للزراعة المعاشية وتربية الماشية ويعتمد السقي على الخطارات ومياه النهرواد الركالذي يخترق الواحة ومن مميزات السقي هو الاعتماد على ملكية الأرض لأداء العمل الجماعي فيتم العمل حسب ما يملكه شخص مااكاتوبمعنى الحبل وهو مقياس أرضي. وهذا له ارتباط وثيق بعملية جمع نفقات بغية صد الهجمات الخارجية أو إنشاء مصالح عامة حيث يقوم الشيخ بإصدار امره للبراح لإعلان وقت تسديد هذا النوع من الضرائب القبلية و التي يمكن حصرها فيما يلي: الكانون: تكات : بمعنى البيت او العتبةأكاتو مقياس ارضي و أمتروك و يعني الفرد البالغ في الاسرة. ومنها أيضا يتم استخلاص الراتب السنوي المقدم لإمام المسجد. وقد أكدت عدة مصادر أن أشبارو واجه عمليات النهب والخراب وتوالت عليه غارات قبائل معادية أرغمت السكان على دفع ضريبة غالبا ما تكون مرتبطة بغلات الواحة أهمهاغلة ثمر الفقوس (وهو من اجود الثمار بالواحة) ولصد كل الهجمات التي تشكل خطرا على القبيلة فقد تم اتخاذ الجبل مكانا آمنا لبناء بيوتهم (إغرم أقديم) جريا على عادات القدماء كما هو الشأن ببوحيرت و جطويت و ايت داوود و بني مخطار

     ويقودنا ما سبق الى ذكر طرق اختيار اهل الحل والعقد في قبيلة اشبارو منذ عصور غابرة، والذي يتم بطريقة ديموقراطية حيث تتناوب القيادة حسب المكونات الفخذية بالسلالة ويختار الشيخامغارمستشاريه من فخذته والفخذات الأربع الأخرى وتكون التمثيلية شاملة. وتتشكل التركيبة المسؤولة من ستة اشخاص (الشيخ وأعيانه الخمس) وتدوم صلاحية كل قيادة سنة واحدة على أقل تقدير او أكثر من ذلك حسب الاحداث الخارجية والداخلية التي تحوم بالقبيلة. وهو عبارة عن مجلس استشاري وتقريري له كامل الصلاحيات في اتخاذ القرارات والحسم في المشاكل الاجتماعية. وتم اختيار يوم الجمعة بعد انصرام صلاة الجمعة وقتا لعقد اجتماعاته العادية في مكان يسمى أنرار امام الملأ (ويرمز به الى الشفافية والنزاهة في التسيير والتدبير)، وعندما يتعلق الامر بالقرارات الصعبة يتم انتداب أربعة أعضاء من كل فخدة للحسم في المشكل المطروح.

    إن هذا النظام السائد بأشبارو قديما يوحي الى أن السكان الأوائل دون شك لهم اتصالات وصلات ببعض التجمعات البشرية الأخرى والتي لها دراية بالتنظيم الاجتماعي والسياسي المحكمين.

        ولا يمكننا ان نغفل الجانب الديني الذي يعد بمثابة قاعدة انبنى عليها صرح القبيلة بإيمانها الراسخ بالكتاب والسنة وكانت قبلة للوافدين ومحجا للعلماء. ولا يغامرنا شك في ذلك بوجود عائلات عريقة تفقهت في أمور الدين و تناقل افرادها حفظ القران و الفقه خلفا عن سلف.

   إن الهدف من كتابة هذه الاخبار والأفكار هو نشدان الحقيقة والكشف عن الوقائع اللذين بدونهما لا يمكن ان نخطو خطوة ثابتة في درب الإنسانية وأن نشق طريقنا في هذا العالم المتحرك الزاخر بالمفاجأة، وهو رغبة في تنوير الرأي العام المحلي وإحاطته ببعض الصور من ماضيه الغابر. وكذلك توجيه رسالة واضحة إلى من يهمه الامر في نشر كتابات يطلق من خلالها العنان لمفردات الخدش والقدح في أبشع صوره.   فمخطيء من يحدد التراتبية الاجتماعية في معايير ترتكز بالأساس على الدين،اللغة،الجنس،اللون، المكان، والنسب لأنها آلية لترسيخ الفوارق، كما تكرس التمايز و التفاوت وتدرج الناس داخل المجتمع. فهو نهج السلاطين بالمغرب يستعملونه من أجل الإبقاء على الحظوة و المكانة و التملك و السلطةرغم ما جاء به الإسلام من المساواة بين بني البشر – فأضحى المجتمع معتقدا بهذه الحقيقة الأكذوبة ، وهي ثقافة ضاربة في أعماق وعقلية مجتمع الجنوب الشرقي، والتي أنتجها مؤرخو البلاط عبر التاريخ بالمغرب.

               الأستاذ: امحمد خلفوي

                                             

المراجع :

  • الروايات الشفهية
  • شارل اندري جوليانتاريخ شمال افريقيا
  • إبراهيم حركاتالمغرب عبر التاريخ
  • مجلة الجدل
  • المسالك و الممالك ( ابن حوقل و الادريسي)
  • محمد المستاري: التراتب الاجتماعي وعلاقته بإشكالية السلطة والتغير الاجتماعي والتنمية البشرية. على موقع الحوار المتمدن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*