abdelaziz el hamzaoui

تأملات في سؤال الكينونة والماهية

 عبد العزيز حمزاوي:

من الأسئلة الحارقة التي تؤرق وتقض مضاجع الأفراد والجماعات؛ سؤال الوجود والماهية، وهو سؤال مركزي مهم، إذ يحمل أسئلة شتى تجعل الرؤية متشظية.
سؤال “من نحن؟ ” سؤال وجودي ومصيري لكن للأسف لا يُثار في مجتمعاتنا الشرقية ” إلا لماما، بل يَتْرُك مكانه لسؤال بديل قد يبدو للوهلة الأولى أنهما سيان غير أن هناك بونا شاسعا بينهما، وهو السؤال عن الكينونة : من نكون؟ وهذا سؤال يرتبط في ماهيته بالتاريخ، لذلك نجد كل من يثيره بهذه الصيغة – بوعي أو بلا وعي – ينطلق من محددات ماضوية أكل عليها الدهر وشرب ، فهو يُعدِّد لك أجداده وأصوله في حين أن السؤال المركزي يريد منك الحديث عن الآن وليس عن الماضي، فلله در الشاعر حينما قال:
كُن اِبنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَباً = يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ
فَلَيسَ يُغني الحَسيبُ نِسبَتَهُ = بِلا لِسانٍ لَهُ وَلا أَدَبِ
إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا = لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي(1)



سؤال الآن على النقيض مما سبق يدفعك دفعا إلى طرق مسلك وعر وهو مسلك سؤال الماهية والطبيعة “من نحن” عوض من نكون ف”النحن” تلخص الوجود الآني والطبيعة المرتبطة بالهُنا والآن، أما من نكون فهو يتكيء على الفعل “كان” المرتبط بأحداث قديمة، ولعل ما يدل على ذلك أننا نحدد وجودنا بالماضي فَحين تسأل واحدا من المغرب مثلا: من أنت ؟ فهو يجيب بمنطق من يكون؟ لا بمنطق من هو ؟ حيث قد يجيبك أنا أمازيغي من أبناء مازيغ ابن من أبناء دادا عطا هذا إن كان ينتمي لأيت عطى مثلا! أو أنا دكالي أو سوسي أو ريفي أو غيرها من التحديدات القبلية… ، في هذا كله يكون قد جانب الصواب في جوابه لسبب بسيط هو أن السؤال يرمي إلى تحديد الماهية لا الكينونة ، فالمُسْتفهِم يسأل عنك أنت لا عن أسلافك ويريد منك تحديد ماهيتك وجوهرك.



إنه تحوير للنقاش وتغيير لاتجاهه من الاستفهام عن الذات والبحث في ماهيتها وحدودها إلى البحث في ذوات غيرية لا علاقة لها بالآنا إلا من الناحية الجينية، وهي نظرة قاصرة وغير معمقة لتصورنا للذات والآخر في الآن نفسه، وكلما تذبذب التصور حول هذا الموضوع بالذات صَعُب الإدراك وتعرض للتشويش ومن ثمة حينما لا تُحَدَّد الذوات الفردية بناء على محددات تنطلق من الماهية لا من الانتماء – كما أسلفنا الذكر – فإن فرص الالتقاء والتعاون رغم الاختلاف والتباين الجيني تعتبر صعبة بل تكاد تكون مستحيلة، والتاريخ حافل بالشواهد على هذا التنافر بين المكونات المخنلفة التي تنتمي إلى الحيز الجغرافي الواحد، الذي يصل في بعض الأحيان إلى استقطاب حاد لا تُحمد عقباه، ومنذ أن أدرك الإنسان وجوده واكتشف فرادته إلا وهو مجبول على البينحث في ما يفرق أكثر مما يجمع، موجها بذلك من غريزة البقاء وحب التميز، وهي غرائز بهائمية ناتجة عن تغليب الجوانب الطبيعية على الثقافية في الشخصية الإنسانية، وليس أدل على ذلك من قصة الخليقة(2) وما تناسل منها من صراعات وتجاذبات وصلت في الغالب الأعم إلى سفك الدماء، مرورا بما عرفه تاريخ البشرية من استغلال بشع لثروات الآخر ومحاولات طمس هويته نتيجة لأوهام التفوق الجيني والهيمنة المستمدة من الحق الإلهي،(3) وصولا إلى تاريخ منطقتنا وما عرفه قبيل الاستعمار من انفلاتات أمنية(4)، رَشَح عنها ما رشَح من صراع قبلي لأسباب ” واهية”، كلها تنطلق من الرؤية الضبابية والغبش الذي يعتري الرؤية حيال موضوع الانتماء وكيفية تحديد الهوية.



لذلك أهمس في أذن الأجيال الصاعدة؛ تحرروا من أسر التاريخ إن شئتم أن ترقوا في درجات الوجود وإلا فإنكم لن تتحرروا من النظرة الماضوية التي تفرق، وتكبح سبل النمو والرقي ….
وعليه ينبغي أن نفكر بمحددات ماهوية تجعلنا ننماز بها عن غيرنا، لذلك علينا أن ننطلق من الحاضر محدثين قطيعة ابستمولوجية مع الماضي، قطيعة تساعدنا على تلمُّس محددات وجودنا بمقومات ذاتية! (5)، بحيث نعي كينونتنا الآنية زمانا ومكانا دون التفريط في علاقتنا بالتاريخ على ألا يطغى هذا الجانب الأخير على هويتنا؛ ذلك أنه مليء بالمتناقضات، فيه إخفاقات وإشراقات؛ لذلك جاز أن يُعتبر حقلا للألغام بامتياز، لا يُـمكن النجاة منْ أفخاخه، وكأن الذي يتيه في مفاوزه يخوض غمار الغوص في بِرْكَة آسنة غير واضحة القرار.
إن القطيعة السالفة الذكر هي بمثابة قراءة متفحصة بنَفس انتقائي لمفاوز التاريخ ؛ إنها عملية غربلة واعية تنظر إلى الماضي بعيون الحاضر لا بعيون الماضي الذي يُصنِّف الأفراد والجماعات إلى أسياد وعبيد، رعايا وحكام، ويجعل الانتماء الهوياتي مرتبط بالقبيلة لا بمحددات آخرى تُستلهم مما يسمى في الأدبيات المعاصرة ب”المجتمع” المكوِّن للدولة المدنية بمفهومها المعاصر.



مشكلتنا المركزية تكمن إذن في كوننا نعيش انفصاما في الشخصية الجماعية، إذ أننا نعيش زمانيين؛ زمن آني من مظاهره الانخراط بوعي أو بلا وعي في الجانب المظهري للحضارة الإنسانية المعاصرة، لكن بعقلية ماضوية مما يجعلنا نعيش زمنا آخر؛ هو الزمن الماضي الذي يتسم بالهُلامية ويُنظر إليه عادة نظرة وردية غير واقعية وغير موضوعية! نظرة تقديس وتبجيل، لا لشيء إلا لأنه متصل بأمجاد الأجداد موغل في النكوص نحو الأزمنة البعيدة.
################
1 – علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الديوان، جمع وترتيب عبد العزيز الكرم، الطبعة الأولى 1988، ص 16.
2- قصة قابيل وهابيل
3- مخلفات اتفاقية الجزيرة الخضراء 1905 بالنسبة لبلدنا ثم اتفاقية سايس بيكو 1916 بالنسبة للشرق الأوسط
4- الصراع حول النفوذ بين ذوي منيع وأيت عطا ينظر ” المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي”روس إ.دان ترجمة أحمد بوحسن ، منشورات زاوية مطبعة المعارف الجديدة – الرباط 2006، ص 81.
5- يقول الجابري في هذا الصدد ( نحن لاندعو الى القطيعة مع التراث، القطيعة بمعناها اللغوي الدارج، كلا، ان ماندعو اليه، هو التخلي عن الفهم التراثي للتراث….) . محمد عابد الجابري ، نحن والتراث : قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة بيروت- 1993 ، ص ص 20-21.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*