yasssine

من يحكم قُرى السفح الجنوبي الشرقي: القوانين المنشورة في الجريدة الرسمية أم أعراف القبيلة

ياسين أصغير:

محاولة بحث في “مجلس القبيلة”

يقودنا البحث في بعض الأعراف و التقاليد  وطرق “الحكم” من خلالها برحاب السفوح الجنوبية الشرقية، إلى البحث في “مجلس القبيلة”، نظرا لمكانته الوازنة ودوره التنسيقي والضبطي، خاصة القائمون على هذا المجلس الذي نرى أنه من البُدّ  الوقوف على مفهومهم والأدوار التي يضطلعون بها؛ رمزيتهم، وكاريزميتهم. كما يقودنا هذا البحث الاسهامي المقتضب إلى محاولة فهم من يتحكم في ذلك “المجال الجغرافي”؛ أهو القانون المنشور في الجريدة الرسمية أم العرف (قوانين عرفية). متسلحين بمنهج المحاولة والخطأ (كارل بوبر). رغم أننا لن نجيب في هذه الورقة البحثية على السؤال السالف الذكر، بقدر ما نسعى إلى محاولة تبيان مكونات مجلس القبيلة، وأدوارهم، ومحاولة تبيان بعض المتغيرات التي مست القبيلة، و طرح بعض الإشكالات التي سنجيب عليها لاحقا بمعية السؤال المومأ إليه أعلاه في بحثنا الجنيني، و الذي نسعى جاهدين لإنهائه مستعينين بمنهج الملاحظة  والمقابلة نظرا لطبيعة المجتمع (قروي) والذي لن يفي فيه (الاستبيان) بالغرض العلمي والمعرفي .




سنسبر أغوارها من خلال تبيان:

تشكيلة مجلس القبيلة:

أمغار: قائد مجلس القبيلة

  كان في ماضي التسعينيات نزولاً لاَ تصاعدا، يخرج بسلهامه- الذي يكون غالبا أحمر أو أسود اللون “، ليتفقد الحقول، و ليجتمع ‘بالمُعيّنين”(= المساعدين)، لمناقشة مسائل القرية وما تتخبط فيها، والقيام ببعض الانجازات التي ستحسب له ولمساعديه، ولينالوا حب أهل القرية، ويشيدوا بمثابرتهم و رزانة تسييرهم في المجالس.

 هو  شخصية فذة ووازنة، تملك من الحكمة والرزانة الشيء الكثير، حيث تحضر الهمة والعزيمة والهيبة كثلاثية تحضر في الشيخ الذي ساقَهُ لنا الانثربولوجي المغربي عبد الله حمودي في  مؤلف “الشيخ والمريد”(…) و ذو مكانة واحترام طبقا لقانون القرية وعرف الممارسة المتوارثة منذ سنوات طوال، والتي ما تزال سارية المفعول.

مساعدي أمغار: ‘المعينون’

يعتبر “المعينون” مساعدين لأمغار، في تسيير شؤون البلدة، و يتشكلون من أربعة أو خمسة أشخاص، تبعا لكل قرية، وتبعا لـ عدد “إغسان= الفخدات”، حيث يكون هناك ممثل لكل “إغَسْ= فخد”، وهي فخدات تختلف من قبيلة لأخرى، حيث نجد في بعض القبائل تركيبة؛ “املوان”، و “امَلوان و  اكرامن” و في بعضها نجد “اسَمخَان، امَلوانْ، اكرامن، الشرفاء، أيت عطا، الخ.




الاختصاصات/ المهام

         يبقى دور أمغار مهما ووازنا، فهو ممثل القبيلة أمام السلطات المحلية ( القائد..)، و أمام الدرك الملكي، و في تجمعات القبائل. كما أنه، هو الذي يراقب الأراضي السلالية للبلدة، ويراقب حقول البلدة، وملكية المسجد في الحقول، وهو من يتبادر  أو باقتراح من أحد “المعينين= المساعدين”، لتنظيف “الساقية”، و الحسم بـ”كاريزميته” في اختيار الحزب الذي ستصوت عليه القبيلة. الخ.

أما المعينون، فمهامهم ممثلة في مساعدة “أمغار”، وهم بذلك كمستشارين وقد ينوبون عنه في بعض الحالات فقط. كما أن من بين مهامهم أيضا، جمع الغرامات حسب الأفخاذ (=إغسان)، وجمع المساهمات حين تروم القيام ببعض الأشغال المشتركة ( كقنوات الصرف الصحي –واد الحار- و إحضار “البون/ الطحين العادي” كلّ شهر وتوزيعه على القرية في إحدى الغرف الخاصة بالقبيلة. و من مهامهم أيضا تبليغ الفخدات “إغْسَانْ” بالمرشح الذي اخترته القبيلة “ازماز أو انْبْيَاوْنْ” = وهي لفظة أمازيغية تعني ( العقوبة التي تفرض على الشخص- طفلا كان أو شابا- الذي يتطاول على القوانين التي وضعتها القرية بعرف الممارسة  أو بعد “تبريحة” البَرّاح”، وغالبا ما تكون غرامة مالية أو إقامة وليمة  تبعا لجسامة الخطأ (20 أونبيي) (1)

          انه مجلس القبيلة الذي يحكمه عرف متوارث منذ سنون طوال، حيث أسسوا هم قانونهم العرفي، وأقرنوه بغرامات و عقوبات (=ازماز) تطال كل من يخالفه، وكانو يمتثلون للقانون المغربي، ولكن عرف القبيلة ظل ساري المفعول ( فالقانون يعاقب السارق، ويعاقب كل من اعتدى على أحد أفراد القبيلة بشكل معنوي جسيم (قذف، شتم…) أو ماديا (ضرب مع سبق إصرار…)، ويعاقب أيضا كل من اعتدى على ملكية الغير، إلا أن الأمر يختلف قليلا في بساط السفوح الجنوبية الشرقية، فالسارق قد يسامحونه إذا تدخل (أمغار أو أيت الخير)، ليصلحوا ذات البين، كما أن المعتدَى على ملكيته من قبل الغير، قد تعيدها إليه القبيلة بعد أن تتقصى الحقيقة الخ. وهو ما يجعلنا نتساءل عمن يحكم هذه القبائل: أهو القانون أم عرف القبيلة ؟ أم هما معا مع غلبة لأحدهم ؟.

إلى جانب أمغار واختصاصاته، يبقى التقسيم حسب الفخدات كما هو الحال في قصر أزقور (أيت عدو، أيت موسى، أيت الطالب علي، أيت حو، أيت وابي، أيت امحمد أُلحسن، أيت خويا ) هو من  ظل يحكمهم؛ حيث كان دوما الصراع الخفي حول: أمغار أي الفخدات هو الأقوى ؟ وأي الفخدات تمتاز  بالحكمة والرزانة والكاريزمية في حكم مجلس القبيلة ؟




          إن الباحث في أعراف وتقاليد السفوح الجنوبية الشرقية؛ خاصة الأعراف الملزمة والتي تبقى قوتها وازنة و حاضرة بقوة في أغلب المشاكل التي تتخبط فيها القبيلة، سيلاحظ أن تحولات كثيرة قد مست “بنية” ووظيفة القبيلة بالسفوح الجنوبية الشرقية، حيث الصراع  الخفي حول أي الفخذات هو الأقوى أصبح شبه مختفي، والأغلبية منهم تتنصل من مسؤولية القبول بتعيينه “أمغار” القبيلة، و أصبح يسند –قهرا- إلى بعض الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (35 و 44 سنة ) العارفين للقراءة والكتابة نظرا لمشاكل أراضي الجموع التي تحتاج إلى “أمغار” له كاريزمة ومستوى معين.

   كما أن القاعدة الاجتماعية، و التضامن الاجتماعي السائد في هذه القُرى يأخذ منحى آخر- منحى تناقصي. ونُرجع ذلك إلى عوامل متعددة منها؛

تراجع دور القبيلة ورمزيتها “المهيبة”، ودخول أغلب هذه القُرى في مسار التحديث، وأصبحت معها العائلة الممتدة تتلاشى، وغدت الأسرة النووية بديلا، كما أن كبار القرية الذين يحافظون على التماسك وظلوا متمسّكون بالتضامن الاجتماعي أصبح عدَد كبير منهم في عداد الموتى، أو تراجع دورهم في تسيير شؤون العائلة..

 أن أغلب الشباب بهذه القبائل ( أو القصور ) نهلوا من الفكر الحضري، وأسسوا جمعيات لتنمية مناطقهم، ومنحوا نفسا ثقافيا واجتماعيا و حقوقيا لبعض الجمعيات التي ظلت حبيسة الأنشطة الرياضية، وانخرطوا في مسلسل التقليل من العادات والأعراف والتشبث بالقيم التي ينظرون إليها على أنها جامدة وغير نفعية ( الصراعات  بين الأفراد  كمثال، أصبحت تحسم في مخافر الشرطة أو  في حضرة القائد (القايد) عوض مجلس القبيلة، الخ). و في هذا تراجع لدور القبيلة. وهو ما يجعلنا نتساءل:

هل ما تزال هذه القرى بحاجة إلى “مجلس القبيلة” وأدواره ؟

هل للمثقف أي دور  – و بحق –  في التغيرات التي مست السفوح الجنوبية الشرقية  أم أنها نتاج المد الإعلامي (التلفزة، ووسائل التواصل الاجتماعي…) التي أصبحت حاضرة وبقوة في هذه القبائل مقارنة بالسنوات الأولى للعشرية الأولى من الألفية الثالثة ؟

هل بدأ دور القبيلة (العرف) يتراجع لفائدة القانون المنشور بالجريدة الرسمية..؟ وهل سيحافظ الجيل الجديد من الأفراد  على  “مجلس القبيلة”  ليُسيّرهُم، بحيث يجعلونه  معاصرا ليتماشى مع المتغيرات التي مست القبيلة والقبائل ككل أم سيتم “تقبيره” وفتح مجال وارف للقانون المنشور في الجريدة الرسمية ليكون الحاكم و الفيصل الوحيد / بالانتقال من الحكم باسم “عرف القبيلة” إلى الحكم باسم القوانين وفقط ؟

هل استفادت الدولة من “الحكم بعرف القبيلة” الذي كان يمتاز  بالإذعان والطاعة أم لا ؟

الهوامش:





من جهة، ورقتنا الاسهامية هذه، هي محاولة أولية لبحث جنيني يتغيى فهم من يتحكم في المجال الجغرافي- بسَفحنا الجنوبي الشرقي؛ أهو القانون المنشور في الجريدة الرسمية أم العرف (قوانين عرفية) ؟ . من جهة أخرى، أوردنا الجريدة الرسمية بصيغة المفرد وهي ستشمل جميع أنواع الجرائد الرسمية التي تصدر فيها القوانين..

 (1) أنبيي: هي لفظة أمازيغية، تطلق في جانبها العادي على الضيف، ولكنها تطلق في بعض قرى السفوح الجنوبية الشرقية (أزقور، أشبارو، توغزة، أيت  صرود، الخ) على العقوبة؛ أي الشخص الذي سيأتي ليأكل “وليمة” العقوبة التي فرضتها القبيلة على الشخص الذي لم يحترم قانون القرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*