12899719_545467535630392_1509239939_n

قصة تلميذ من الجنوب الشرقي.وبالضبط منطقة – ألنيف.

لحسن بن مولى : 

في القرن الواحد والعشرين و في إحدى المناطق المهمشة من هذا الوطن، وبالضبط منطقة مصيصي – ألنيف. حكمت محكمة الوجود على الطفل مصطفى أن يوجد كباقي الناس. ترعرع هذا الصغير بين أحضان التهميش والإقصاء.

وتعرض لأبشع جرائم الإستلاب الفكري على مر التاريخ. إلا أن أمه أرضعته قيم الصمود والتحدي وقيم تيموزغا. وبعد بلوغ مصطفى سن التمدرس 7 سنوات إلتحق بالمدرسة، وكان متفوقا رغم الإختلاف الموجود بين لغته الأمازيغية ولغة المقرارات الدراسية العربية.

كانت أدنى شروط التمدرس غير متوفرة. إلا أن تحدي مصطفى وصموده لا ينكسر أمام الصعاب.

واستمر في طريق التعلم واكتساب المعرفة إلى أن بلغ مستوى الثالثة إعدادي في سن 15عاما.

وفي هذا المستوى تغيرت حياته كلها وحتى جسده فقد إكتماله.وتغيرت أيضا أفكاره وأحلامه واختفت ابتسامته التي لم تفارقه يوما.

ففي يوم من الأيام وبالضبط يوم الجمعة 11 مارس من هذه السنة. والذي سيكون بالنسبة لمصطفى يوما فاصلا في حياته لن ينساه. يوم ستظل أحداثه تراوده في كل مكان. يوم موشوم في ذاكراته يستعصي إزالته.

إنه يوم الفاجعة المؤلمة، التي فقد فيها مصطفى يده اليمنى التي تتربع مكانة مهمة في حياة كل واحد منا. لقد كانت الإعدادية التي يدرس بها مصطفى بعيدة عن قريته، وكانت المسافة طويلة والطريق غير معبدة والنقل المدرسي غير موجود. وكعادته في كل عطلة الأسبوع يعود إلى البيت كباقي التلاميذ والتلميذات.

لكي يلتقي بأمه وإخواته، ويتبادل معهم اللعب والضحك والتصفيق قبل بداية الأسبوع من جديد. لقد كان على مصطفى أن يقطع تلك المسافة الطويلة التي تفصل الإعدادية عن أمه. ولحسن الحظ إذا كان حقا كذلك. كان هناك صاحب شاحنة دائما ما يمر من تلك الطريق. كان رجل لطيف وصالح دائما ما يقدم المساعدة للتلاميذ من خلال نقلهم فوق الشاحنة لكي يصلوا إلى منازلهم قبل سقوط الظلام ويسرعوا في الوصول إلى دفئ الأمومة.

خرج مصطفى كعادته من الإعدادية وعلى ظهره محفظته وعلى وجهه ابتسامته وفي قلبه شوق الأم.

ونفس الصورة والأحاسيس تنطبق على كل التلاميذ والتلميذات والذين ينتظرون جميعا مرور صاحب الشاحنة الوحيدة التي تستعمل تلك الطريق لنقل المعادن من تلك المنطقة المهمشة. وهي الوسيلة المتوفرة للوصول إلى منازلهم دون السير طويلا على الأقدام الصغيرة.

كان مصطفى التلميذ المجد يفكر في أحضان أمه وحنانها. كان فرحا بوصول عطلة الأسبوع كما لو أنه تحرر من القيود الحديدية . كيف لا وشوق الأم أعظم الأشواق.

وبعد مدة من إنتظار الشاحنة بفارغ الصبر هاتف التلاميذ جميعا بما فيهم مصطفى ” إنها الشاحنة إنها الشاحنة” وأسرعوا للصعود فوق ظهرها. ولم يعلموا بمصيرهم وما ينتظرهم بعد الصعود ولا أحد منهم فكر فيما قد يحدث لهم في الطريق.

لقد كانت أفكارهم كلها تعشعش في حضن الأمومة. كانت الإبتسامة لا تفارقهم وهم يصعدون واحدا تلوى الأخر. كانوا فرحين وهم فوق الشاحنة التي تقريب أحضان تلك الأم التي تنتظر أن تحضن إبنها بحرارة الشوق والبعد.

كان مصطفى بعد صعوده فوق الشاحنة يصفيق ويغني ويعبر عن فراحه بكل الأشكال. لكن بعد لحظات من صعودهم تغيرت العادة وحدث ما لم يكن في الحسبان. و انقلب الواقع الجميل إلى واقع أسود. وأصبحت الكأبة مكان الإبتسامة، والفرح حزنا، وأصبح التصفيق أمرا مستحيل بعد أن إختفت إحدى اليدين.

فعواض أن يعود مصطفى إلى البيت ويصفيق ويلعب في أحضان أمه ويحس بدفئ الأسرة.

وجد نفسه بين جدران المستشفى وعواض حضن الأم استقبله حضن الفراش في غرفة العمليات.

لقد إصطدمت الشاحنة المحملة بأزيد من أربعين تلميذا بسيارة أخرى وتمزقت الأجساد الصغيرة وأصبح الصراخ سيد اللحظة.

أما مصطفى فقد سقطت الشاحنة على يده ومزقتها ليتم نقله إلى المستشفى مع جميع التلاميذ الذين تلطخوا كلهم بالدماء بما فيهم شهيدة التهميش كريمة التي فرقت الحياة في مستشفى ألنيف القريب من مكان الحادثة الباشعة بسب غياب الأوكسجين وأدنى وسائل المستعجلات.

وبعد وصول مصطفى ومعه كل الضحايا إلى مستشفى مولاي علي شريف بالراشدية،تعرض للامبالاة من طرف الأطباء. إلا أن عزيمة أصحاب المنطقة حرصت على إدخال مصطفى إلى غرفة العمليات. وفيها تم بتر اليد التي تمزقت بسب بشاعة الحادثة.

وقد تم قطع يد مصطفى وأصبح طفل عليه أن يستعمل يد واحدة في حياته ويكافح من أجل الإستمرار. وبعد مدة طويلة في الغيبوبة، فتح مصطفى عيناه وبدأ أولى عبارته بعد الفاجعة.” يا أماه !! كيف سأكتب ويدي اليمنى مقطوعة؟؟”

هذه العبارة المؤلمة التي خرجت من شفتي طفل صغير أفقده التهميش يده ستبقى خالدة في التاريخ. وستبقى ذكرى في نفس كل ضمير حي. ديكارت أمكناس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*